سيد محمد طنطاوي

29

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستثناء منقطع ، فيكون المعنى : وحفظنا السماء من كل شيطان رجيم لكن من اختلس السمع من الشياطين ، بأن حاول الاقتراب منها ، فإنه يتبعه شهاب واضح للناظرين فيحرقه ، أو يحول بينه وبين استراق السمع . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَه شِهابٌ مُبِينٌ ) * أي . لكن من استرق السمع ، أي الخطفة اليسيرة ، فهو استثناء منقطع . وقيل : هو متصل ، أي : إلا ممن استرق السمع . أي : حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره ، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي ، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا لقوله - تعالى - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ . وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي ، فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم . . « 1 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ . وحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ . لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلى ويُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً ولَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ . إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَه شِهابٌ ثاقِبٌ « 2 » . قال بعض العلماء ما ملخصه : والمقصود منع الشياطين من الاطلاع على ما أراد اللَّه عدم اطلاعهم عليه . . وربما استدرج اللَّه - تعالى - الشياطين وأولياءهم ، فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان فلما أراد - سبحانه - عصمة الوحي منعهم من ذلك بتاتا . . وفي سورة الجن دلالة على أن المنع الشديد من استراق السمع كان بعد البعثة النبوية ، وبعد نزول القرآن ، إحكاما لحفظ الوحي من أن يلتبس على الناس بالكهانة . . قال - تعالى - : وأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وشُهُباً . وأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَه شِهاباً رَصَداً « 3 » . وعلى ذلك يكون ما جاء في بعض الأحاديث من استراق الجن السمع - وصفا للكهانة السابقة ، ويكون قوله صلى اللَّه عليه وسلم « ليسوا بشيء . . . » وصفا لآخر أمرهم . .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 11 . ( 2 ) سورة الصافات الآيات 6 - 10 . ( 3 ) سورة الجن الآيتان 8 ، 9